في خضّم المباحثات السياسية التي شهدتها الساحة العراقية، بين قيادات “الإطار التنسيقي”، وما رافقها من خلافات بشأن شخصية المرشّح لتشكيل الحكومة العراقية الجديدة، قبل تكليف علي فالح الزيدي رسمياً وتنصيبه رئيساً للوزراء، برز نشاط رقمي مشبوه من على صفحة ائتلاف “الإعمار والتنمية” الذي يقوده رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني.
في يوم 24 نيسان الماضي، نشرت الصفحة الرسمية للائتلاف منشوراً لعضوه خالد وليد المرسومي، تحدّث فيه عن أهمية الدفاع عن الأصوات الانتخابية للسوداني في الانتخابات الأخيرة، و”صمود السوداني” حسب وصف المرسومي من أجل مشروعه السياسي، كونه كان قد طرح نفسه لتولّي رئاسة الوزراء من جديد.

وحصد المنشور إلى غاية لحظة رصده والعمل عليه (في نيسان الماضي)، حوالي 800 تفاعل توزّعت بين تعليق وإعجاب، وغلبت صبغة المساندة على مضمون تعليقات المنشور، دعماً لما ورد فيه وللسوداني وأصوات ائتلافه ومشروعه السياسي.
وبعد مراجعة مضمون التعليقات، بدت وكأنَّها تظهر حالة من الدعم الشعبي والإجماع على تأييد مشروع ائتلاف “الإعمار والتنمية”، حيث جاء في أغلب التعليقات على المنشور: “خطوة في الاتجاه الصحيح”، و”موقف يعكس إرادة قوية”، و”موقف يدل على إخلاص” و”طرح إيجابي ومبشر”، وكذلك باقي التعليقات المشابهة في النسق، والتي توصل رسائل دعم لائتلاف السوداني.


بعد تحليل محتوى التعليقات والتفاعلات التي حصدها المنشور، نجد أنَّ مئات التعليقات نُشرت في توقيت متزامن وصيغت في قوالب نصّية قصيرة وجاهزة لا تتجاوز الخمس كلمات، مثل “طرح يعكس وعي سياسي كبير”، و”موقف مشرف ويستحق التقدير”، “كلام يبعث الأمل ويعزز الثقة”.
في السياق الطبيعي للتفاعلات على منصّات التواصل، وخصوصاً عندما يتعلّق الأمر بمنشور من صفحة تابعة إلى حزب سياسي أو مؤسسة حكومية، فإنَّ التفاعل يمثّل غالباً تنوعاً بشرياً طبيعياً، مثل التأييد، والمعارضة، وطرح التساؤلات، بل وحتى التهكّم، كما أنَّ المستخدمين الطبيعيين يكتبون بأساليب وبأطوال مختلفة، ويتفاعلون مع تعليقات بعضهم البعض. وهذا ما لم يظهر في منشور “الإعمار والتنمية”، ما يعزّز الشكوك بشأن وجود تنسيق لصناعة دعم زائف يوحي بوجود تأييد شعبي متزايد للائتلاف.
طبيعة الحسابات:
بعد تصفّح محتوى أغلب الحسابات المعلّقة على المنشور، تبيّن أنَّها تحمل صور مناظر طبيعية أو فنانين أو شخصيات عامّة مشهورة، كما أنّها تتشارك في صفات أخرى مثل خلوّها من أي محتوى خاص أو عام، والبعض منها مقفول بميزة “قفل الملف الشخصي”.
ومن بين التعليقات، نجد صفحات تحمل صور أشخاص عاديين وغير معروفين، وهنا تم اختيار عيّنات من هذه الصفحات وبحثنا فيها. فعلى سبيل المثال، كتب حساب يحمل اسم (صفاء الطيب) ويتابعه 47 مستخدماً، تعليقاً جاء فيه: “أحسنت والله يوفقك”، وعند تصفّحه تبيّن أنَّه تم إنشاؤه في كانون الأول 2025، وهو يخلو من أي منشورات غير الصورتين الغلاف والشخصية، والتي تبيّن بعد البحث العكسي أنَّها صورة غير حقيقية ومولّدة بالذكاء الاصطناعي.

ونشر الصورة، مستخدم على منصّة متخصّصة بالذكاء الاصطناعي اسمها “المبدعون العرب”، كمشروع لتوليد صورة بالذكاء الاصطناعي، عبر وصف: “شاب عراقي حلو وهو في المنزل عمره 24 بطريقه سيلفي بقميص”، فتم توليد الصورة المشار إليها إضافة إلى عشرات الصور الأخرى، لذات الشخصية غير الحقيقية.


وكتب حساب ثانٍ، يحمل اسم (ألياس احمد) ويتابعه 37 مستخدماً، تعليقاً نصّه: “الله يكتب الخير”، واتّضح أنَّه تم إنشاؤه يوم 27 تشرين الثاني 2025، وكذلك يخلو من أي محتوى.

وبالبحث العكسي عن الصورة، توصّلنا إلى أنَّها تعود إلى شخص اسمه هشام كمال، كان قد نشرها في شباط 2021 في تعليقات على منشور تهكمي على الأشخاص الذين في الأربعين من أعمارهم، حيث علق هشام بالصورة مع تعليق: “اشبيه الأربعين”. وعلى الرغم من أنَّ حساب هشام خاص، إلّا أنَّ صورتي الغلاف والشخصية تؤكدان أنَّه الشخص ذاته صاحب الصورة.


عيّنة أخرى من الحسابات، حساب يحمل اسم (رامز احمد)، ويتابعه 26 مستخدماً، كتب تعليق: “خوش كلام من شخص واعي”، وهو كالحسابات الأخرى يخلو من المحتوى، عدا الصورة الشخصية التي تظهر شاباً يرتدي قميصاً أحمر اللون.

وبحثنا عن الصورة وتبيّن أنَّها مأخوذة من حساب شخص يدعى (حمودي الغالي)، نشرها في 25 أيلول 2023 كصورة شخصية لحسابه العام، الذي يحتوي العديد من الصور الشخصية له.


حساب آخر، يحمل اسم (شاكر ناميق)، يتابعه 7 مستخدمين، وتم إنشاؤه يوم 2 آب 2025، كتب تعليقاً: “كلام واضح وصريح”، وكذلك يخلو من أي محتوى، بينما تظهر الصورة الشخصية شاباً يرتدي قميصاً أزرق، اتّضح أنَّها مأخوذة أيضاً من شاب كُردي يدعى ديار محمد، كان قد نشرها يوم 26 آب 2024 في حسابه على منصّة إنستغرام.


وتنقسم الحسابات المتفاعلة في التعليقات، بين حسابات تستعمل صوراً مأخوذة من حسابات اشخاص حقيقيين على مواقع التواصل، أو صور عامة من الإنترنت، دون وجود أي نشاط أو تفاعل طبيعي، وفي المقابل نجد الحسابات ذات الطابع الحقيقي محدودة مقارنة بالحسابات التي تحمل مؤشرات واضحة على كونها وهمية أو تدار ضمن حملات زيادة التفاعل على المنشورات.
فمثلاً، المنشور ذو الـ800 تفاعل، وبتحليل يدوي تبيّن أنَّ تعليقاته بلغت (لغاية لحظة تحليله) 339 تعليقاً، 41 منها فقط من صفحات حقيقية تهكّمت واعترضت وتساءلت حول المنشور، بينما التعليقات الباقية جميعها جاءت في سياق وأسلوب واحد لمدح ودعم فكرة المرسومي في “الدفاع عن أصوات الناس” ورئيس الائتلاف، محمد شياع السوداني.
وبعد تتبع المنشورات الأخرى من صفحة ائتلاف “الإعمار والتنمية”، وجدنا أنَّ آخر 10 منشورات على الأقل سبقت منشور المرسومي، كانت تعليقاتها بنفس هذا النسق مع تكرار التعليقات من قبل الصفحات ذاتها، وبالمضمون الذي يوحي للقارئ بأنَّ هناك التفاف حول السوداني وائتلافه، بينما التعليقات الحقيقية وأعدادها ومضامينها تشير إلى عكس ذلك.
وفي منشور سبق منشور المرسومي، يوم 24 نيسان الماضي، قال عضو الائتلاف مشرق الفريجي، إنَّ “السوداني والمالكي يُخوّلان الإطار التنسيقي لاختيار مرشح في اجتماع يوم غد السبت”. وعند متابعة التعليقات على المنشور نجد أنَّها مماثلة بالنسق كالمنشورات التي سبقته وتبعته، وبلغت أعداد تعليقاته حتّى لحظة رصده المنشور، 309 تعليقاً، 14 منها صدر عن صفحات حقيقية، أمّا الباقية فجميعها بذات النسق المشار إليه.





وامتداداً لعملية التتبع التي بدأت يوم 25 نيسان الماضي، نشرت صفحة الائتلاف منشوراً يوم الأحد 10 أيار الجاري، تصريحات للقيادي في الائتلاف، مشرق الفريجي، وكذلك نجد أغلب التعليقات بالنسق ذاته، وكتب أحد الحسابات تعليقاً يساند ما طُرح في المنشور: “المرحلة الحالية تحتاج تعاون بعيد عن المصالح الضيقة والخلافات”.

وعند الدخول إلى الحساب اتّضح أنَّه فيه صديق واحد، إضافة إلى نشاط غريب يتمثّل بتعليقات على منتجات أو ما شابه، ولكن على شكل منشورات، وهذا يشير إلى أنَّه يدار ضمن حسابات تدار بشكل روبوتي.

وتكرّر هذا السلوك، في حسابات أخرى علّقت على المنشور ذاته بالدعم، كحساب اسمه (مهند وليد الحداد)، فيه صورة لاعب كرة قدم شاب، ولكن ليس عليها أي تفاعلات، بينما يخلو الحساب أيضاً من أي تفاعل بشري طبيعي، بل فيه تعليقات على شكل منشورات كالحساب الذي سبق.


واستمراراً لرصد نشاط الصفحة، فتبين أنَّ الحسابات الزائفة مستمرة بالعمل على دعم أغلب منشورات الصفحة، حيث نشرت صفحة الائتلاف، يوم 14 أيار الجاري، منشوراً لمحمد شياع السوداني عشية التصويت على حكومة علي فالح الزيدي، هنأ فيه الأخير بمناسبة نيله ثقة البرلمان وتنصيبه كرئيس للوزراء، وعند متابعة التعليقات على المنشور، يتّضح أنَّ أغلبها حسابات زائفة وتنتهج ذات النسق في طريقة الدعم، على غرار ما سبق.


واستمرت عملية رصد منشورات صفحة “الإعمار والتنمية” منذ 25 نيسان الماضي وحتى تاريخ نشر هذا التحقيق في 22 أيار الجاري. وكشف التحليل الأخير والشامل لنشاط الصفحة استمرار الحسابات الزائفة في دعم محتواها يومياً وبالوتيرة ذاتها، بغض النظر عن طبيعة المنشورات. وتجسّد هذا النمط في آخر منشور حلّله فريق “الفاحص”، والذي تضمّن تصريحاً للسوداني يؤكد فيه تماسك ائتلافه؛ حيث لوحظ السلوك الرقمي نفسه من خلال تعليقات متطابقة صادرة عن صفحات وهمية تخلو من أي تفاعل بشري طبيعي.


عن هذا، يصف الخبير في الإعلام الرقمي، فهمي الباحث، خلال حديثه لـ”الفاحص” هذا السلوك بأنَّه “تأييد وهمي” تلجأ إليه العديد من الشخصيات والجهات السياسية، قائلاً إنَّه “في السياقات السياسية الهشّة، وفي فترات الصراع على مراكز النفوذ، وفي ظل اعتماد غالبية المجتمعات على الشبكات الاجتماعية كمصدر رئيسي لاستقاء الأخبار، وما يرافق ذلك من تأثير مباشر على وعي المستخدمين، اتجهت العديد من الجهات والأشخاص خصوصاً السياسيين، إلى ما يسمى بـ’التضخيم المصطنع’ أو ‘التأييد الوهمي’، لإظهار أنَّ هناك دعماً شعبياً واسعاً لفكرة أو شخصية سياسية أو جهة ما. وبالتأكيد هناك دوافع إضافية كالتأثير على الرأي العام والنخب السياسية أو الإعلام”.
ويضيف الباحث: “عادةً، تُستخدم هذه الحسابات لنشر ‘البروباغندا الإعلامية’ لإيصال رسالة إلى الجمهور مفادها أنَّ هذه الجهة أو تلك هي الأقوى والأكثر قبولاً شعبياً. وهذا ما قد يخلق ضغطاً نفسياً وإعلامياً على الجهات الأخرى، إذ ينتابهم شعور أنَّهم أقلّية أو أنَّ الشارع حسم الأمر لصالح الجهات المنافسة”.
ويلفت إلى، أنَّ “استخدام صور أشخاص حقيقيين في إنشاء حسابات وهمية، أمر خطير جدّاً من الناحيتين الأخلاقية والقانونية، بل وحتى الأمنية، ففي ذلك انتهاك للهوية والخصوصية ويعدّ شكلاً من أشكال انتحال الشخصية وإساءة استخدام البيانات، ما قد يسبّب ضرراً كبيراً على صاحب الصورة الحقيقي، إذ يمكن أن يُربط بآراء أو مواقف سياسية معينة لم يتبناها، وهذا من شأنه تعريضه للتهديد أو التشهير أو التحريض”.
ويختم الخبير الباحث: “بشكل عام، انتشار هذه الحسابات الزائفة بشكل واسع سوف يحول شبكات التواصل إلى بيئة للتضليل، أكثر من كونها فضاءات نقاش حقيقي، وبالتالي ستكون هنالك مشكلة في الثقة بالنقاشات العامة”.
وتؤكد منصّة “الفاحص”، أنَّ هذا السلوك الذي تجسّده شبكة من الحسابات الزائفة والانتحالية، لا يمثّل أعداداً على منصّات التواصل الاجتماعي فحسب، إنمّا محاولات مع سبق الإصرار لاستهداف وعي الجماهير وتغيير واقع المعادلات السياسية في الوقت ذاته.
وأمام هذه السلوكيات التي تصنع “تأييداً وهمياً” لمشاريع سياسية، تصبح مسؤولية المستخدمين مضاعفة ومهمة، فالشكّ والتفكير النقدي، والتدقيق في طبيعة المحتوى والتفاعلات والصفحات المعلّقة، هي خطوات أساسية للوقاية من محاولات تشويه الفضاء الرقمي والاستغلال السياسي، ولحماية حق المستخدمين في الحصول على المعلومات الموثوقة.
يأتي هذا التحقيق ضمن سلسلة من التحقيقات القادمة التي ستسلّط الضوء على محاولات التأثير على الرأي العام والتلاعب بخيارات المواطنين.





