تعد الأزمات والأخبار المرافقة لها، ولا سيما في ظل الاعتماد المتزايد على وسائل التواصل الاجتماعي، بيئة خصبة لانتشار الأخبار الزائفة والمضللة، ما يضاعف مسؤولية الصحفي أثناء أدائه واجبه المهني، بين سرعة النشر لتلبية حاجة الجمهور إلى المعلومة، والدقة في نقلها.
وفي هذا السياق، يقع العديد من الصحفيين، بل وحتى بعض وسائل الإعلام، في فخ التضليل من خلال نشر معلومات غير دقيقة، الأمر الذي قد يسهم في تصعيد التوتر أو انتشار خطاب الكراهية في بعض الأحيان، فضلاً عن تقويض ثقة الجمهور بالمهنية الإعلامية خلال الأزمات.
وتعتبر تغطية الأزمات، التحدي الأكبر أمام الصحفي الساعي إلى الحفاظ على مبادئ الصحافة وأخلاقياتها، في ظل الانتشار الواسع لما يُعرف بـ”صحافة المواطن” وتدفّق المحتوى غير المهني عبر المنصات الرقمية.
وفي مثل هذه الحالات، تبرز مجموعة من الواجبات المهنية والأخلاقية التي ينبغي على الصحفي الالتزام بها، ويمكن تلخيصها في الآتي:
أولاً: التحقق قبل النشر
-عدم نشر أي معلومة قبل التأكد من مصدرها الرسمي أو الموثوق، أو التواصل مع أحد المصادر ذات الصلة المباشرة بالخبر.
-مقارنة الخبر مع أكثر من مصدر مستقل لجمع المعلومات والتوصل إلى نتيجة متطابقة قدر الإمكان.
-التمييز بوضوح بين التصريح الرسمي، والمحتوى المتداول، والرأي الشخصي، والمعلومة.
ثانياً: تقديم الدقة على السرعة
-تفضيل التأخير المؤقت على نشر خبر غير مؤكد، إذ أن السرعة في النشر، وإن كانت جزءاً من العمل الصحفي، تُطبّق أساساً في الحالات التي يكون الصحفي حاضراً فيها ميدانياً، لا في الأخبار التي تُجمع من مصادر متعددة.
ثالثاً – استخدام لغة مهنية مسؤولة
-من المهم الابتعاد عن العناوين المثيرة، أو الانفعالية أو التي تعبر عن وجهة نظر الصحفي وانتماءاته.
-أهمية تجنب الكلمات التي تثير الذعر أو تساعد على التحريض.
-الالتزام بلغة مهنية محايدة وواضحة عن الحدث بتفاصيله، كون الصحفي هو المسؤول عن نقل الحقيقة كما هي.
رابعاً – فهم السياق وعدم اقتطاع المعلومات
-وضع الخبر ضمن سياقه الزمني والسياسي والأمني الكامل، وتجنّب استخدام أخبار قديمة أو ذات بعد زمني مختلف وربطها بالحدث الحالي لاستكمال الخبر، إلا في حال الإشارة الواضحة إلى سياقات ترتبط مباشرة بمجريات الحدث.
-تجنّب اقتطاع التصريحات أو تداولها خارج معناها الحقيقي، لما قد يترتب على ذلك من نشر أخبار مضللة بالكامل، نتيجة الاعتماد على جزء مجتزأ من تصريح دون استكماله أو بيان سياقه الكامل.
-توضيح الخلفيات الضرورية التي تساعد الجمهور على فهم الحدث بصورة دقيقة ومتوازنة.
خامساً – مقاومة ضغط وسائل التواصل الاجتماعي
-يجب على الصحفي التحلي بالهدوء ومقاومة الضغط الناتج عن انتشار الخبر أو الحدث بسياقات متعددة، وعدم الانجرار وراء “الترند” واللحاق بالتفاعل الخاطئ المبني على أخبار زائفة أو مضللة.
-التعامل مع المنصات الرقمية على أنها مصادر تحتاج إلى التدقيق الدائم، وعدم اعتبارها مرجعاً موثوقاً بحد ذاتها لصحة الأخبار المرتبطة بسياقات الحدث. ولا يمنع ذلك من أن يستند الصحفي إلى ما تنشره أي جهة من بيانات أو تصريحات قابلة للتحقق.
سادساً: تصحيح الخطأ فوراً عند وقوعه
-على الرغم من التزام الصحفي بالدقة قبل النشر، إلا أن الوقوع في الخطأ يظل احتمالاً قائماً، وفي هذه الحالة يتوجب عليه الاعتراف بالخطأ فوراً ونشر تصحيح واضح وصريح يبيّن طبيعة الخطأ والمعلومة الصحيحة.
وفي الختام، على كل صحفي أن يعي أن الأزمات والأحداث قد تنتهي بمرور الوقت، إلا أن الثقة التي تتزعزع بينه وبين الجمهور قد لا تعود بسهولة، وأن فقدان هذه الثقة يُعد بمثابة خسارة حقيقية لمكانته المهنية.





