عاش العراق عقوداً من التضليل المُمنهج، شاركت في نشره جهات عديدة، منها بقصد ومنها بغير قصد، من أجهزة دعاية الدولة إلى فوضى المعلومات الإقليمية إلى الفوضى الرقمية التي حصلت بعد تزايد أعداد مستخدمي الإنترنت، واعتماد المستخدمين على وسائل التواصل الاجتماعي في الحصول على الأخبار، فضلاً عن دخول الذكاء الاصطناعي على خط صناعة المحتوى، وخصوصاً في العراق.
ومع التطور الكبير في قدرات الذكاء الاصطناعي، أصبح الخط الفاصل بين ما هو حقيقي وما هو مُصطنع، ضبابياً للغاية، بسبب المواد المولدة التي تبدو أقرب إلى الحقيقة، وتشمل الصور، والنصوص، والمقاطع المرئية والصوتية التي يصعب تمييزها بالسمع والعين المجردة.
هذه العوامل، خلّفت إرثاً ثقيلاً في الفضاء الرقمي، حيث أصبح الجمهور يجد صعوبة في التمييز بين مصدر موثوق وآخر غير موثوق، كما لعبت بعض المؤسسات الإعلامية دوراً في هذا ترك هذا الإرث الثقيل، إذ ركّزت جهودها على “جذب الانتباه” و”السبق الصحفي” لا على الدقّة والموثوقية وحماية الصالح العام.
اليوم، يحمل كل عراقي هاتفاً في جيبه، تصله منه آلاف المنشورات يومياً، بعضها أخبار وادّعاءات غير موثّقة، والقليل منها معزّز بالمصادر وموثّق، وكثير منها يقع في المنطقة الرمادية بينهما، والمشكلة هنا أنَّ المحتوى المضلّل لا ينتظر التحقّق بل ينتشر خلال دقائق بسبب عوامل عديدة، وبهذا يكون قادراً على تشكيل الرأي العام وتحريك الجماهير، وأحياناً يؤدي إلى مشاكل على أرض الواقع ويهدد حياة أبرياء، وهنا تبرز أهمية التحقق لتقليل هذه المخاطر.
التضليل لا يؤذي الفكرة فقط:
حين ينتشر خبر زائف عن مرشح في يوم الانتخابات على سبيل المثال، يتضرّر المواطن الذي يُصوّت بناءً على معلومة زائفة، وحين تنتشر إشاعة عن دواء أو لقاح، يتضرّر المريض الذي يرفض العلاج، وحين تُقتطع صورة من سياقها لإشعال فتنة طائفية أو قومية، يتضرر النسيج الاجتماعي بأسره، وبهذا لا يمكن وصف التضليل بأنَّه مجرد “خطأ معلوماتي”، إنما فعل له ضحايا حقيقيون، والمثال الأبرز عندما نتحدّث عن مخاطر التضليل، هو ما حصل مع الناشطة الراحلة ريهام يعقوب، التي اغتيلت بسبب حملة تضليل أباحت اغتيالها.
وفي ظل هذا التفاقم في انتشار التضليل المعلوماتي، تجدد منصّة “الفاحص” التأكيد على أهمية استحداث مناهج متخصّصة ومنفصلة، وأكثر مواكبة لأساليب التضليل وطرق كشفه، لتدريسها في كليات الإعلام بل وحتى المدارس، للمساهمة في رفع الوعي حول الإعلام الرقمي وتقليل مخاطر التضليل المعلوماتي في الفضاء الرقمي.
التحقق ليس ترفاً أكاديمياً:
يظنَّ البعض أنَّ تدقيق المعلومات ممارسة لا تناسب السياق العراقي، أو أنّه عمل بعيد عن هموم الناس وواقعهم، ولكن الحقيقة عكس ذلك تماماً، فالتحقق أداة دفاع مدني في زمن التكنولوجيا، مثله مثل الإسعافات الأولية وأدوات حماية الجسد. والمواطن العراقي الذي اكتوى بنار الإشاعات أكثر من غيره هو أكثر من يستحق هذه الأداة للوصول إلى الحقيقة.
نحن هنا لأن المعلومة الصحيحة حق:
في كل مناسبة، نؤكد على شعارنا ومبدأنا في الفاحص: “نحن مخلصون إلى الحقيقة فقط”، ففي كل مرة نكشف فيها حقيقة خبر زائف، نحن لا نحمي فكرة مجردة اسمها “الحقيقة”، بل نحمي قرار طبيب، وصوت ناخب، وأمان مجتمعي، وثقة جيل بمحيطه والأحداث التي تقرّر مصيره. لهذا نتحقق، ولهذا نؤمن أنَّ العراق يستحق صحافة تحترم تفكيره، وتعطيه حقّه في الحصول على معلومات يستطيع الاتستفادة منها وتشكيل تفكيره وتفكير محيطه بناءً على الوقائع.





