أصبحت منصة إكس، ساحة مهمة لتشكيل الرأي العام في العراق، خصوصاً في ظل عصر رقمي متسارع، ومع تنامي أعداد مستخدمي الإنترنت في العراق، حيث تجاوز عدد المستخدمين 38 مليون شخص في عام 2025، وفق تقرير Data Reportal لعام 2025، وهو موقع عالمي متخصّص بتحليل الاستخدام الرقمي في العالم، وينتج تقارير سنوية في هذا الجانب، بالشراكة مع مؤسسات دولية مثل شركتي “kepios” و”we are social“.
وفي الوقت ذاته، تعتبر هذه المنصة أرض خصبة لانتشار التضليل، خاصة مع انتشار الحسابات الزائفة التي تنتحل شخصيات عامة معروفة، وفي ظل عدم وجود فهمٍ كاف لطبيعة عمل المنصة وسياساتها تجاه الحسابات غير الحقيقية.
يكشف هذا التحقيق أربعة حسابات زائفة، تابعها فريق “الفاحص” مؤخراً، تنتحل هويات سياسيين وإعلاميين وناشطين، وتنشر آراء سياسية مختلفة، منها تدافع بشكل مباشر وغير مباشر عن سياسات حكومية معينة ومسؤولين، أو مهاجمة أفكار أخرى دون أن تمثل هذه الآراء أفكار الشخصيات الحقيقية.
هذه الحسابات جزء من ظاهرة أوسع للتضليل الرقمي في العراق، الذي شهد تصاعداً في 2024-2025 مع اقتراب الانتخابات وخلال إجراءها وبعد، ومع الأزمات السياسية المتتالية، حيث استخدم الذكاء الاصطناعي واُستغل اسم مرجعية النجف وازدادت الحسابات الزائفة للتأثير على الرأي العام.
واعتمد التحقيق على مراقبة حسابات مشبوهة تكثّف نشاطها مؤخراً، وتحليل التفاعلات ورصد أنماط وطبيعة المنشورات، وأيضاً تحليل فني للحسابات، بالإضافة إلى تصريحات من الشخصيات الحقيقية. على الرغم من أن صعوبة الوصول إلى بيانات إكس الداخلية، كان تحدياً كبيراً.
الكشف عن الحسابات الأربعة:
ينشط الحساب الأول، باسم السياسي العراقي غالب الشابندر، ويتابعه حوالي 41 ألف مستخدم، ونشر منشوراً يوم 7 كانون الأول الجاري، في سياق الجدل الذي دار بعد تصنيف الحكومة العراقية لـ”حزب الله – لبنان” و”الحوثيين” كجهات “إرهابية”، والانتقادات التي واجهتها حكومة محمد شياع السوداني، قبل أن تعدل الحكومة عن القرار وتتراجع عن التصنيف.

وجاء في المنشور ما نصّه: “الى قادة المقاومة.. اتقوا الله في فتنة تُصيب الناس يا أبنائي، الخطأ الذي حصل قد تم تداركه وسيصدر قرار بإلغاء قرار تجميد الأموال. كافي لا تستغلون الموضوع لأغراضكم التعبوية وتحشدون الناس للنزول للشوارع. فنحن نعرفكم ونعرف نواياكم. كفوا الأذى قبل ينقلب عليكم حتى من كان يصدق شعاراتكم”. وشاهد المنشور أكثر من 15 ألف مستخدم.

قمنا بتحليل الحساب، عبر كشف رقم معرّف الحساب من خلال أداة “tweet hunter“، ومن ثم تحليله من خلال أداة “botometer X“، وتبين أنه كان للحساب اسم آخر، وتم تغييره إلى “الشابندر – بالمعرف (@ALshabandr)” يوم 31 أيار 2023. ووفقاً لبيانات إكس العامة، فإن الحساب تم تغيير معرّفه 5 مرات.



بالنظر إلى الحساب، يمكن ملاحظة شارة تحت الاسم، هي “حساب ناقد”، وبالعودة إلى سياسات إكس الجديدة، اتضح أن وجود هذه الشارة أو شارتي “حساب معجب” أو “حساب ساخر”، تعني أن الحساب لا يعود للشخص ذاته، لكن الحساب يعبر عن النقد أو الإعجاب أو السخرية من الشخصية العامة المشار إليها.


بالإضافة إلى ذلك، تواصل فريقنا مع السياسي غالب الشابندر للاستفسار حول الحساب، وأوضح أن الحساب ليس عائد له، وأكّد أنه لا يمتلك أي حساب على أي منصة -بما فيها فيسبوك- في الوقت الحالي.
أما الحساب الثاني، فينشط باسم المحلل السياسي محمد نعناع، ويتابعه 5430 مستخدماً، ونشر منشوراً يوم 7 كانون الأول الجاري، وهو اليوم ذاته الذي نُشر فيه منشور حساب “الشابندر”، وأيضاً كان المنشور يرتبط بجدل قضية تصنيف الجهتين المذكورتين “إرهابيتين”.

وجاء في نص المنشور: “حز.ب الله لم يعترض!! إيران لم تستنكر!! الحوثي لم ينتقد او يتكلم!! فلماذا تتباكى الفصائل العراقية عليهم اكثر منهم !!؟ البنك المركزي اعتذر عن الخطأ. اللجنة وضحت سبب الخطأ. ماذا تريدون من تحشيد الشارع ؟ رسالتكم وصلت لإسرائيل ان لديكم جمهور واسع وعريض!! وهي الان ترتجف”.

قمنا بتحليل الحساب، باستخدام المنهجية ذاتها وعبر الأدوات المشار إليها، وتبين أن معرف الحساب كان (siham_laith@)، وتم تغييره إلى “د. محمد نعناع” بالمعرف (alnynaa1@) يوم 31 أيار 2023 أيضاً. ووفقاً لبيانات إكس، فإن الحساب تم تغيير معرّفه 5 مرات كالحساب السابق.



راجعنا الحساب الرسمي للمحلل السياسي محمد نعناع على فيسبوك، حيث نشر منشوراً -حذفه لاحقاً- نفى فيه ملكيته للحساب على منصة إكس، وأكد أن حساب “الشابندر” زائف أيضاً. كما أشار إلى حساب آخر ينتحل اسم وصورة الخبير الأمني أحمد الشريفي.
وقال نعناع إن “جميع هذه الحسابات زائفة ويديرها أتباع رئيس الوزراء محمد شياع السوداني”، لافتاً إلى أن الشخصيات الثلاث الحقيقية (هو والشابندر والشريفي) معارضة للسوداني، في حين أن التغريدات في الحسابات المزورة لا تحتوي على أي انتقاد لحكومته، بل تدعمه بشكل كامل وتهاجم خصومه.

تابعنا الحساب الثالث، وهو حساب باسم الخبير الأمني والعسكري أحمد الشريفي، يتابعه 2394 مستخدماً، ونشر منشوراً يوم 8 كانون الأول الجاري، حول الموضوع ذاته المتعلق بتصنيف الجهتين المسلحتين.
وجاء في نص المنشور: “ليس هناك مبرر لهذا الضجة (المفتعلة) من الفصائل على قضية تجميد الأموال!!!! هناك اطر قانونية وقنوات قضائية يلجأ اليها مَن يؤمن ببنظام الدولة . أما مَن يؤمن بحكم المليشيات فيلجأ للفوضى والعنتريات والتهديد.”.
حللنا الحساب، بالمنهجية والأدوات المذكورة، وتبين أن معرف الحساب كان (hanadi_iraq@)، وتم تغييره إلى “د. أحمد الشريفي” بالمعرف (alshreefahmaad@) يوم 1 حزيران 2023، وهو تاريخ شبه مطابق لتاريخ تغيير الحسابات السابقة. وتم تغيير معرّف الحساب 6 مرات كالحساب السابق، وفقاً لبيانات إكس.

معرف المستخدم للحساب (tweethunter)


تابعنا البحث، وتوصلنا إلى حساب مشترك بين الحسابات، ينشط باسم السياسي بشير الحجيمي، يتابعه حوالي 15 ألف مستخدم، ونشر منشوراً يوم 7 كانون الأول الجاري، كان أيضاً حول قضية تصنيف الحزب اللبناني والجماعة اليمنية على لوائح الإرهاب.

وجاء في المنشور: “جماعة الفصائل لن يتركوا قضية تجميد الأموال حتى يعطوهم رئاسة الوزراء. هذا السبب لهاي الهوسة المصطنعة”.

ومن خلال الخطوات المذكورة، قمنا بتحليل الحساب واتضح أن معرفه كان (DAljwariy@)، وتم تغييره إلى “الدكتور المهندس بشير الحچيمي” بالمعرف (dr_alshmary@) يوم 1 حزيران 2023، وهو تاريخ شبه مطابق لتاريخ تغيير الحسابات السابقة. ووفقاً لإكس، فإن الحساب تغيّر معرّفه 6 مرات كالحساب السابق، ويدار من هولندا. بالإضافة إلى أن الحساب يحمل شارة معجب.



تواصل فريقنا مع السياسي بشير الحجيمي حول الموضوع، وقال لـ”الفاحص” إنّه اتخذ كافة الإجراءات الشخصية والقانونية بحق تلك الصفحات، ولفت إلى أنه وجد “تواطئاً واضحاً من الجهد الحكومي مع تلك الصفحات، مستخدمين الوسائل المادية والمالية لمنع حجبها”. وأكد الحجيمي أن الصفحة أساءت كثيراً إلى سمعته.
ما المشتركات بين الحسابات الأربعة؟
بعد مراجعة شاملة للحسابات، تبين أنَّها تتابع بعضها، واشتركت أيضاً بالحديث عن موضوع آخر يتعلق بانتقاد شخص يدعى (سند الحمداني) بمزاعم أنه مدير قناة العهد. بينما ليس هناك آراء مشابهة معلنة من قبل الشخصيات الحقيقية.

ومن بين المشتركات، فإن تغيير أسماء الحسابات جرى في ليلة واحدة يومي 31 أيار – 1 حزيران 2023، بالإضافة إلى أن ثلاثة منها تحمل شارتي حساب “معجب وناقد”، كما أن هناك عمليات “إعادة نشر” متبادلة بين الحسابات، فضلاً عن تطابق لغة المحتوى المنشور وتسلسله الزمني، وهذا يحتمل ارتباطها بجهة واحدة أو شخص واحد يديرها، ما يعد تضليلاً ممنهجاً ومنظماً.
يكشف هذا التحقيق، واستناداً على التحليل التقني والمنهجية المشار إليها، أن الحسابات الأربعة زائفة ولا تمت بصلة للشخصيات الحقيقة، ويكشف جزءاً صغيراً من شبكة تضليل أوسع تهدد الموثوقية في العراق وتعرض المحللين السياسيين والإعلاميين إلى مخاطر أمنية، وقانونية وتشويه للسمعة.
تجدد منصة “الفاحص” دعوتها للمستخدمين للتحقق من الحسابات (تاريخ الإنشاء، التفاعل الطبيعي)، والإبلاغ عن الحسابات المشبوهة، وعدم مشاركة أي منشورات أو بناء تصورات قبل التأكد من حقيقة الحسابات والمحتوى المنشور.





